بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصلاة والسلام على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ الطيبين.
مَعَ اقتِرَابِ شَهرِ رَمَضَانَ مِن كُلِّ عَامٍ، تُطَالِعُنَا بَعضُ الصُّحُفِ وَالتَّقَارِيرِ بِإِعلَانَاتٍ حَولَ تَحدِيدِ بَدَايَةِ وَنِهَايَةِ شهر رمضان الكريم، استِنَادًا إِلَى الحِسَابَاتِ الفَلَكِيَّةِ، وبزعم أن علم الفلك (الهيئة) مقدمٌ على شهادة المسلم الثقة العدل في حال ثبتت الرؤية وأنكرها الفلك. وما هذا إلا لظنهم أنهم بهذا يوحدون الصف والكلمة. وكأن هؤلاء نسوا أو تناسوا أن التاريخ الإسلامي من زمن الخلافة الراشدة وحتى خلافة بني العباس ونشأة بيت الحكمة وظهور علم الهيئة في ما سمي بالعصر الذهبي للعلوم وما بعدها, لم يسجل إعتماد قول أهل الفلك في إثبات أو إنكار مطالع الأهلة. ثم كيف يُعقل ربط عِبَادَةً مَنوطَةً بِكُلِّ مُسلِمٍ كالصلاة والصيام بِشُرُوطٍ عِلمِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ، قَد لَا يَستَطِيعُ كَثِيرُونَ إِدرَاكَهَا؟ ولماذا لم يوجب الشرع تعلمها، فما لا يصح الواجب إلا به فهو واجب !؟..
اِعلَم وَفَّقَكَ اللَّهُ أَنَّ شَهَادَةَ العَدلِ بِرُؤيَةِ الهِلَالِ مَقبُولَةٌ شَرعًا، وَلَو زَعَمَ أَهلُ الحِسَابِ استِحَالَةَ رُؤيَتِهِ فِي تِلكَ اللَّيلَةِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ المُطَهَّرَةَ قَد أَلغَتِ الِاعتِمَادَ عَلَى الحِسَابِ الفَلَكِيِّ فِي هَذَا البَابِ بِالكُلِّيَّةِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيهِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ العَدلِ مَتَى ثَبَتَت وَفقَ الضَّوَابِطِ الشَّرعِيَّةِ. فَالمَرجِعُ القَطعِيُّ هُوَ استِكمَالُ عِدَّةِ شَعبَانَ ثَلَاثِينَ يَومًا، وَفقًا لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ وَأَفطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِن غُمَّ عَلَيكُم فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعبَانَ ثَلَاثِينَ يَومًا» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَغَيرُهُ). وَكَذَلِكَ قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسِبُ، الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعنِي مَرَّةً تِسعًا وَعِشرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ). وقد قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ إِدرِيسَ القَرَافِيُّ (ت 684هـ) فِي كِتَابِهِ الفُرُوقِ (ج1، ص178، ط. عَالَمُ الكُتُبِ): «إِذَا دَلَّ حِسَابُ تَسيِيرِ الكَوَاكِبِ عَلَى خُرُوجِ الهِلَالِ مِنَ الشُّعَاعِ مِن جِهَةِ عِلمِ الهَيئَةِ، لَا يَجِبُ الصَّومُ. وَقَالَ سَندٌ (ت 541هـ) مِن أَصحَابِنَا: فَلَو كَانَ الإِمَامُ يَرَى الحِسَابَ فَأَثبَتَ الهِلَالَ بِهِ، لَم يُتَّبَع، لِإِجمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ». وَفِي الصَّفحَةِ التَّالِيَةِ، قَالَ أَيضًا: «وَإِن كَانَ الحِسَابُ مُنضَبِطًا، لَكِنَّهُ لَم يُنَصِّبهُ صَاحِبُ الشَّرعِ سَبَبًا، فَلَم يَجِب بِهِ الصَّومُ». وَهَذَا إِجمَاعٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الحِسَابَ الفَلَكِيَّ لَا يُمكِنُ أَن يَكُونَ بَدِيلًا عَنِ الرُّؤيَةِ الشَّرعِيَّةِ، مَهمَا بَلَغَ مِنَ الدِّقَّةِ.
وَقَد نُسِبَ القَولُ بِرَدِّ شَهَادَةِ العَدلِ لِمُوَافَقَتِهَا قَولَ أَهلِ الحِسَابِ إِلَى التَّقِيِّ السُّبكِيِّ، غَيرَ أَنَّهُ قَولٌ مَردُودٌ، لَم يُعَوِّل عَلَيهِ الفُقَهَاءُ مِنَ المَذَاهِبِ المُختَلِفَةِ، فَقَد رَدَّهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَالحَنَفِيَّةُ، وَغَيرُهُم، إِذِ الإِجمَاعُ مُنعَقِدٌ عَلَى عَدَمِ اعتِبَارِ حِسَابِ المُنَجِّمِينَ فِي هَذَا البَابِ. وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ البَاجِيُّ، وَابنُ رُشدٍ الحَفِيدُ، وَالجَصَّاصُ، وَالحَطَّابُ الرُّعَينِيُّ، وَغَيرُهُم مِن أَهلِ العِلمِ. قَالَ شَمسُ الدِّينِ الرَّملِيُّ فِي نِهَايَةِ المُحتَاجِ: «وَشَمِلَ كَلَامُ المُصَنِّفِ ثُبُوتَهُ بِالشَّهَادَةِ، مَا لَو دَلَّ الحِسَابُ عَلَى عَدَمِ إِمكَانِيَّةِ الرُّؤيَةِ، وَانضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ القَمَرَ غَابَ لَيلَةَ الثَّالِثِ عَلَى مُقتَضَى تِلكَ الرُّؤيَةِ قَبلَ دُخُولِ وَقتِ العِشَاءِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ لَم يَعتَمِدِ الحِسَابَ بَل أَلغَاهُ بِالكُلِّيَّةِ». وَقَالَ الجَردَانِيُّ فِي فَتحِ العَلَّامِ: «وَالمُعتَمَدُ عِندَنَا: أَنَّ شَهَادَةَ العَدلِ تُقبَلُ وَإِن قَالَ المُنَجِّمُونَ إِنَّ الحِسَابَ القَطعِيَّ قَد دَلَّ عَلَى عَدَمِ إِمكَانِهَا».
وَقَالَ ابنُ عَابِدِينَ الحَنَفِيُّ فِي [الدُّرِّ المُختَارِ]: «مَطلَبٌ مَا قَالَهُ السُّبكِيُّ مِنَ الِاعتِمَادِ عَلَى قَولِ الحِسَابِ مَردُودٌ: قُلتُ مَا قَالَهُ السُّبكِيُّ رَدَّهُ مُتَأَخِّرُو أَهلِ مَذهَبِهِ مِنهُم ابنُ حَجَرٍ وَالرَّملِيُّ فِي شَرحَي المِنهَاجِ، وَفِي فَتَاوَى الشِّهَابِ الرَّملِيِّ الكَبِيرِ الشَّافِعِيِّ: «سُئِلَ عَن قَولِ السُّبكِيِّ لَو شَهِدَت بَيِّنَةٌ بِرُؤيَةِ الهِلَالِ لَيلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن الشَّهرِ وَقَالَ الحِسَابُ بِعَدَمِ إِمكَانِ الرُّؤيَةِ تِلكَ اللَّيلَةَ عُمِلَ بِقَولِ أَهلِ الحِسَابِ؛ لِأَنَّ الحِسَابَ قَطعِيٌّ وَالشَّهَادَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَهَل يُعمَلُ بِمَا قَالَهُ أَم لَا؟ وَفِيمَا إذَا رُئِيَ الهِلَالُ نَهَارًا قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ يَومَ التَّاسِعِ وَالعِشرِينَ مِن الشَّهرِ، وَشَهِدَت بَيِّنَةٌ بِرُؤيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ لَيلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعبَانَ، فَهَل تُقبَلُ الشَّهَادَةُ أَم لَا؟ لِأَنَّ الهِلَالَ إذَا كَانَ الشَّهرُ كَامِلًا يَغِيبُ لَيلَتَينِ أَو نَاقِصًا يَغِيبُ لَيلَةً أَو غَابَ الهِلَالُ اللَّيلَةَ الثَّالِثَةَ قَبلَ دُخُولِ وَقتِ العِشَاءِ «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي العِشَاءَ لِسُقُوطِ القَمَرِ الثَّالِثَةَ» هَل يُعمَلُ بِالشَّهَادَةِ أَم لَا؟ فَأَجَابَ: بِأَنَّ المَعمُولَ بِهِ فِي المَسَائِلِ الثَّلَاثِ مَا شَهِدَت بِهِ البَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ نَزَّلَهَا الشَّارِعُ مَنزِلَةَ اليَقِينِ «وَمَا قَالَهُ السُّبكِيُّ مَردُودٌ رَدَّهُ عَلَيهِ جَمَاعَةٌ مِن المُتَأَخِّرِينَ»، وَلَيسَ فِي العَمَلِ بِالبَيِّنَةِ مُخَالَفَةٌ لِصَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَوَجهُ مَا قُلنَاهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَم يَعتَمِد الحِسَابَ، بَل أَلغَاهُ بِالكُلِّيَّةِ بِقَولِهِ: «نَحنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسِبُ الشَّهرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» وَقَالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: الحِسَابُ لَا يَجُوزُ الِاعتِمَادُ عَلَيهِ فِي الصَّلَاةِ انتَهَى. وَالِاحتِمَالَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّبكِيُّ بِقَولِهِ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ قَد يَشتَبِهُ عَلَيهِ.. إلَخ لَا أَثَرَ لَهَا شَرعًا لِإِمكَانِ وُجُودِهَا فِي غَيرِهَا مِن الشَّهَادَاتِ» انتَهَى كَلَامُ ابنِ عَابِدِينَ.
ختاماً نُوصِي كُلَّ مُسلِمٍ أَن يَلتَزِمَ بِمَا قَرَّرَهُ فُقَهَاءُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ الَّذِينَ أَجمَعَ المُسلِمُونَ عَلَى عُلُوِّ شَأنِهِم، وَأَلَّا يَأخُذَ أَحكَامَ الصِّيَامِ إِلَّا عَن عُلَمَاءَ ثِقَاتٍ جَمَعُوا بَينَ العِلمِ وَالعَدَالَةِ، وَنَقَلُوا هَذَا العِلمَ بِإِسنَادٍ مُتَّصِلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، بَدَلًا مِنَ تَتَّبُّعِ الأَقوَالِ الشَّاذَّةِ وَالمَنَاهِجِ المُستَحدَثَةِ الَّتِي تُفَرِّقُ كَلِمَةَ المُسلِمِينَ أَكثَرَ مِمَّا تَجمَعُهَا. سَائِلِينَ اللَّهَ لَنَا وَلَهُمُ الهِدَايَةَ، وَالتَّوفِيقَ، وَالتُّقَى، وَالسَّدَادَ، وَاللَّهُ الهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَمَن هَدَاهُ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن أَضَلَّ، فَمَا لَهُ مِن هَادٍ.
| رابط ذو صله : | |
| القسم : | مقالات وردود شرعية |
| الزيارات : | 10 |
| التاريخ : | 19/3/2026 |
|
|