*فَضلُ يَومِ عَاشُورَاءَ: يَومُ الشُّكرِ وَالنَّجَاةِ وَتَجدِيدِ التَّوبَةِ*
❖ *مُقَدِّمَةٌ*
❁ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى فَضَّلَ بَعضَ الأَيَّامِ عَلَى بَعضٍ، وَجَعَلَ فِي مَوَاسِمِ الخَيرِ نَفَحَاتٍ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ، يَتَعَرَّضُونَ فِيهَا لِرَحمَتِهِ، وَيَستَكثِرُونَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَيُجَدِّدُونَ فِيهَا التَّوبَةَ وَالإِنَابَةَ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ.
❁ وَمِن هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكَةِ يَومُ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ اليَومُ العَاشِرُ مِن شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ، يَومٌ عَظِيمُ القَدرِ، قَدِيمُ الحُرمَةِ، جَلِيلُ الفَضلِ، كَثِيرُ الدُّرُوسِ وَالعِبَرِ؛ إِذ يَعُودُ بِنَا إِلَى حَدَثٍ عَظِيمٍ مِن أَحدَاثِ تَارِيخِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ نَجَاةُ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِن بَطشِ فِرعَونَ وَجُنُودِهِ. وَقَد أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يُخرِجَ قَومَهُ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَأَن يُذَكِّرَهُم بِأَيَّامِ اللهِ، وَهِيَ أَيَّامُ نِعَمِهِ وَنِقَمِهِ، وَمَوَاطِنُ فَضلِهِ وَعِبرَتِهِ، لِيَتَعَلَّمَ المُؤمِنُ مِنهَا قِيمَتَينِ عَظِيمَتَينِ: الصَّبرَ عَلَى البَلَاءِ، وَالشُّكرَ عَلَى العَطَاءِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أَرسَلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَن أَخرِج قَومَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرهُم بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
❁ وَأَيَّامُ اللهِ هِيَ الأَيَّامُ الَّتِي ظَهَرَت فِيهَا ءَاثَارُ قُدرَتِهِ وَنِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا جَرَى فِيهَا مِن نَصرِ المُؤمِنِينَ، وَخِذلَانِ الظَّالِمِينَ، وَإِنجَاءِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ؛ فَكَانَ التَّذكِيرُ بِهَا سَبَبًا لِلصَّبرِ وَالشُّكرِ، وَالاعتِبَارِ وَحُسنِ الإِنَابَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
❁ لَقَد كَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِن أَشَدِّ الأَنبِيَاءِ بَلَاءً، وَهُوَ أَكثَرُ نَبِيٍّ ذُكِرَت قِصَّتُهُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، فَقَد بُعِثَ فِي زَمَنِ الطَّاغِيَةِ فِرعَونَ الَّذِي أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِرعَونَ عَلَا فِي الأَرضِ وَجَعَلَ أَهلَهَا شِيَعًا يَستَضعِفُ طَائِفَةً مِنهُم يُذَبِّحُ أَبنَاءَهُم وَيَستَحيِي نِسَاءَهُم إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفسِدِينَ﴾، فَصَبَرَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَى هَذَا الطُّغيَانِ وَذَلِكَ العُلُوِّ، وَوَاجَهَ فِرعَونَ بِالنَّصِيحَةِ اللَّيِّنَةِ، وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، امتِثَالًا لِأَمرِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَولًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَى﴾.
❁ وَلَم يَكُنِ الصَّبرُ مِن سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مَحصُورًا فِي احتِمَالِ أَذَى فِرعَونَ وَجُنُودِهِ، بَلِ امتَدَّ لِيَشمَلَ مَا نَالَهُ مِن قَومِهِ أَنفُسِهِم، وَقَد شَهِدَ القُرآنُ الكَرِيمُ لَهُ بِذَلِكَ حِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ يَا قَومِ لِمَ تُؤذُونَنِي وَقَد تَعلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم﴾، فَكَانَ هَذَا الصَّبرُ العَظِيمُ سَبَبًا فِي كَونِهِ مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَمَرَنَا سُبحَانَهُ بِالِاقتِدَاءِ بِهِم، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصبِر كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وَقَد كَانَ رَسُولُنَا ﷺ حِينَ يَلقَى أَذَى المُنَافِقِينَ يَستَذكِرُ صَبرَ سَيِّدِنَا مُوسَى، وَيَتَأَسَّى بِهِ، فَيَقُولُ: «رَحِمَ اللهُ مُوسَى، قَد أُوذِيَ بِأَكثَرَ مِن هَذَا فَصَبَرَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
❖ *فَضلُ شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ وَصِيَامِهِ*
❁ شَهرُ المُحَرَّمِ مِن أَفضَلِ الشُّهُورِ، وَالصِّيَامُ فِيهِ مِن أَجَلِّ القُرُبَاتِ، فَقَد خَرَّجَ مُسلِمٌ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَفضَلُ الصِّيَامِ بَعدَ رَمَضَانَ شَهرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفضَلُ الصَّلَاةِ بَعدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيلِ».
❁ وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى فَضلِ صِيَامِ شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ، وَأَنَّهُ أَفضَلُ التَّطَوُّعِ المُطلَقِ بِالصِّيَامِ بَعدَ رَمَضَانَ، وَإِن كَانَت بَعضُ الأَيَّامِ المُعَيَّنَةِ مِن غَيرِهِ قَد تَختَصُّ بِفَضِيلَةٍ زَائِدَةٍ، كَيَومِ عَرَفَةَ، وَأَيَّامٍ مِن عَشرِ ذِي الحِجَّةِ، وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِن شَوَّالٍ.
❖ *فَضلُ يَومِ عَاشُورَاءَ*
❁ مِن أَعظَمِ أَيَّامِ شَهرِ المُحَرَّمِ يَومُ عَاشُورَاءَ، فَقَد جَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «مَا رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَومٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيرِهِ إِلَّا هَذَا اليَومَ، يَومَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهرَ، يَعنِي شَهرَ رَمَضَانَ».
❁ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا لِيَومِ عَاشُورَاءَ مِن مَزِيَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَفَضلٍ مَشهُورٍ، حَتَّى كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَهُ وَيَعتَنِي بِهِ. وَقَد كَانَت فَضِيلَةُ صِيَامِ عَاشُورَاءَ مَعرُوفَةً بَينَ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، وَقَد صَامَهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ شُكرًا للهِ تَعَالَى عَلَى نَجَاتِهِ وَنَجَاةِ قَومِهِ مِن فِرعَونَ وَجُنُودِهِ.
❖ *صِيَامُ النَّبِيِّ ﷺ لِيَومِ عَاشُورَاءَ*
❁ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَوَجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا هَذَا اليَومُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَومٌ عَظِيمٌ، أَنجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَومَهُ، وَغَرَّقَ فِرعَونَ وَقَومَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكرًا، فَنَحنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَنَحنُ أَحَقُّ وَأَولَى بِمُوسَى مِنكُم». فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
❁ وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَومٌ صَالِحٌ، هَذَا يَومٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسرَائِيلَ مِن عَدُوِّهِم، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنكُم. فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».
❁ وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «هَذَا يَومُ عَاشُورَاءَ، وَلَم يَكتُبِ اللهُ عَلَيكُم صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَن أَحَبَّ مِنكُم أَن يَصُومَ فَليَصُم، وَمَن أَحَبَّ أَن يُفطِرَ فَليُفطِر». وَفِي لَفظِ البُخَارِيِّ: «هَذَا يَومُ عَاشُورَاءَ، وَلَم يَكتُبِ اللهُ عَلَيكُم صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَن شَاءَ فَليَصُم، وَمَن شَاءَ فَليُفطِر».
❁ وَفِي مَسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِأُنَاسٍ مِنَ اليَهُودِ قَد صَامُوا يَومَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُم عَن صِيَامِهِ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ اليَومُ الَّذِي نَجَّى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسرَائِيلَ مِنَ الغَرَقِ، وَغَرِقَ فِيهِ فِرعَونُ، وَأَنَّهُ اليَومُ الَّذِي استَوَت فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الجُودِيِّ، فَصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى شُكرًا للهِ تَعَالَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى وَأَحَقُّ بِصَومِ هَذَا اليَومِ»، فَأَمَرَ أَصحَابَهُ بِالصِّيَامِ.
❖ *صِيَامُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ*
❁ مِن عَظِيمِ فَضلِ عَاشُورَاءَ أَنَّ صِيَامَهُ سَبَبٌ لِتَكفِيرِ ذُنُوبِ سَنَةٍ مَاضِيَةٍ، فَقَد جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي قَتَادَةَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن صَومِ يَومِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ». وَفِي لَفظٍ ءَاخَرَ: «وَصِيَامُ يَومِ عَاشُورَاءَ أَحتَسِبُ عَلَى اللهِ أَن يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبلَهُ». وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «مَا رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَومٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيرِهِ إِلَّا هَذَا اليَومَ، يَومَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهرَ، يَعنِي شَهرَ رَمَضَانَ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
❁ وَهَذَا مِن سَعَةِ رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ، أَن جَعَلَ لَهُم مِنَ الأَعمَالِ اليَسِيرَةِ مَا يَنَالُونَ بِهِ الأُجُورَ العَظِيمَةَ، وَتُمحَى عَنهُم بِهِ الخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتُ، فَطُوبَى لِمَن اغتَنَمَ هَذَا اليَومَ صِيَامًا وَشُكرًا وَتَوبَةً وَاستِغفَارًا.
❖ *صِيَامُ تَاسُوعَاءَ مَعَ عَاشُورَاءَ*
❁ يُسَنُّ أَيضًا صِيَامُ يَومِ تَاسُوعَاءَ، وَهُوَ اليَومُ التَّاسِعُ مِن شَهرِ المُحَرَّمِ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَئِن بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ قَبلَ أَن يَأتِيَ المُحَرَّمُ التَّالِي.
❁ وَقَد قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصحَابُهُ، وَأَحمَدُ، وَإِسحَاقُ، وَغَيرُهُم مِن أَهلِ العِلمِ: يُستَحَبُّ صَومُ التَّاسِعِ وَالعَاشِرِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَامَ العَاشِرَ وَنَوَى صِيَامَ التَّاسِعِ.
❁ وَذَكَرَ بَعضُ العُلَمَاءِ أَنَّ مِن حِكمَةِ صِيَامِ التَّاسِعِ مَعَ العَاشِرِ مُخَالَفَةَ اليَهُودِ فِي إِفرَادِ العَاشِرِ بِالصِّيَامِ، وَذَكَرَ بَعضُهُم أَنَّ فِيهِ احتِيَاطًا لِعَاشُورَاءَ؛ لاحتِمَالِ الغَلَطِ فِي ابتِدَاءِ الشَّهرِ، وَفِيهِ كَذَلِكَ احتِرَازٌ مِن إِفرَادِ العَاشِرِ، كَمَا يُكرَهُ إِفرَادُ يَومِ الجُمُعَةِ بِالصِّيَامِ. فَإِن لَم يَصُم مَعَهُ تَاسُوعَاءَ، سُنَّ لَهُ أَن يَصُومَ مَعَهُ الحَادِيَ عَشَرَ، بَل نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي «الأُمِّ» وَ«الإِملَاءِ» عَلَى صَومِ الثَّلَاثَةِ.
❖ *فَوَائِدُ وَأَحكَامٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَومِ عَاشُورَاءَ*
❁ يَجُوزُ صَومُ يَومِ عَاشُورَاءَ مُنفَرِدًا، وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ شَرعًا؛ لِأَنَّهُ لَم يَرِد نَهيٌ عَن إِفرَادِهِ بِالصَّومِ، بَل وَرَدَ ثُبُوتُ الثَّوَابِ لِمَن صَامَهُ، وَلَو مُنفَرِدًا، فَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي فَضلِ صِيَامِهِ: «أَحتَسِبُ عَلَى اللهِ أَن يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبلَهُ». وَقَالَ البُهُوتِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي «كَشَّافِ القِنَاعِ عَن مَتنِ الإِقنَاعِ»: «وَلَا يُكرَهُ إِفرَادُ العَاشِرِ بِالصَّومِ، قَالَ فِي المُبدِعِ: وَهُوَ المَذهَبُ».
❁ وَيُسَنُّ صِيَامُ يَومِ تَاسُوعَاءَ مَعَ يَومِ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ اليَومُ التَّاسِعُ مِن شَهرِ المُحَرَّمِ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَئِن بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ قَبلَ أَن يَأتِيَ المُحَرَّمُ التَّالِي. وَقَد قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي «المَجمُوعِ»: «وَاتَّفَقَ أَصحَابُنَا وَغَيرُهُم عَلَى استِحبَابِ صَومِ عَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ». فَالأَكمَلُ وَالأَفضَلُ أَن يَصُومَ المُسلِمُ التَّاسِعَ وَالعَاشِرَ جَمِيعًا؛ اتِّبَاعًا لِمَا عَزَمَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمُخَالَفَةً لِليَهُودِ فِي إِفرَادِ العَاشِرِ.
❁ وَالحَاصِلُ أَنَّ صِيَامَ عَاشُورَاءَ وَحدَهُ جَائِزٌ وَفِيهِ الثَّوَابُ، وَصِيَامَ التَّاسِعِ مَعَهُ أَكمَلُ وَأَفضَلُ، وَإِن صَامَ الحَادِيَ عَشَرَ مَعَهُ، أَو صَامَ الثَّلَاثَةَ، فَذَلِكَ حَسَنٌ؛ لِمَا فِيهِ مِن مُزِيدِ الخَيرِ وَالاحتِيَاطِ وَمُخَالَفَةِ غَيرِ المُسلِمِينَ. وَمِن فَوَائِدِ صِيَامِ النَّفلِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ إِنشَاءُ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيلِ بَعدَ المَغرِبِ إِلَى مَا قَبلَ الظُّهرِ، مَا لَم يَتَعَاطَ الصَّائِمُ بَعدَ الفَجرِ مُفَطِّرًا، فَمَن أَصبَحَ يَومَ عَاشُورَاءَ وَلَم يَكُن أَكَلَ أَو شَرِبَ أَو فَعَلَ مُفَطِّرًا، جَازَ لَهُ أَن يَنوِيَ صَومَهُ نَفلًا قَبلَ الظُّهرِ.
❖ *التَّوسِعَةُ عَلَى النَّفسِ وَالأَهلِ يَومَ عَاشُورَاءَ*
❁ وَمِمَّا استَحَبَّهُ جَمَاعَةٌ مِن أَهلِ العِلمِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ التَّوسِعَةُ عَلَى النَّفسِ وَالأَهلِ وَالعِيَالِ بِمَا يَسَّرَ اللهُ مِن غَيرِ إِسرَافٍ وَلَا مُرَاءَاةٍ وَلَا مُبَاهَاةٍ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَن وَسَّعَ عَلَى نَفسِهِ وَأَهلِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ سَائِرَ سَنَتِهِ». رَوَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ فِي «الاستِذكَارِ». وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ مِثلَهُ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَفِي لَفظٍ: «مَن وَسَّعَ عَلَى أَهلِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ سَائِرَ سَنَتِهِ». وَقَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «جَرَّبتُهُ أَربَعِينَ عَامًا».
❁ وَقَد نَقَلَ العُلَمَاءُ استِحبَابَ التَّوسِعَةِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ ابنُ عَابِدِينَ الحَنَفِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ «رَدِّ المُحتَارِ عَلَى الدُّرِّ المُختَارِ»: «وَحَدِيثُ التَّوسِعَةِ، وَهُوَ: مَن وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ السَّنَةَ كُلَّهَا، قَالَ جَابِرٌ: جَرَّبتُهُ أَربَعِينَ عَامًا فَلَم يَتَخَلَّف». وَقَالَ الحَطَّابُ المَالِكِيُّ فِي «مَوَاهِبِ الجَلِيلِ»: «يَنبَغِي أَن يُوَسِّعَ عَلَى الأَهلِ فِيهِمَا»، أَي لَيلَةَ عَاشُورَاءَ وَيَومَهَا.
❁ وَقَالَ الشَّيخُ عَبدُ الحَمِيدِ الشَّروَانِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى «تُحفَةِ المُحتَاجِ»: «وَيُسَنُّ التَّوسِعَةُ عَلَى العِيَالِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ لِيُوَسِّعَ اللهُ عَلَيهِ السَّنَةَ كُلَّهَا كَمَا فِي الحَدِيثِ الحَسَنِ، وَقَد ذَكَرَ غَيرُ وَاحِدٍ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ أَنَّهُ جَرَّبَهُ فَوَجَدَهُ كَذَلِكَ».
❁ وَنَقَلَ الشَّروَانِيُّ عِبَارَةَ المَنَاوِيِّ فِي «شَرحِ الشَّمَائِلِ» قَائِلًا: «وَوَرَدَ: مَن وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ السَّنَةَ كُلَّهَا، وَطُرُقُهُ وَإِن كَانَت كُلُّهَا ضَعِيفَةً؛ لَكِنِ اكتَسَبَت قُوَّةً بِضَمِّ بَعضِهَا لِبَعضٍ، بَل صَحَّحَ بَعضَهَا الزَّينُ العِرَاقِيُّ كَابنِ نَاصِرِ الدِّينِ، وَخُطِّئَ ابنُ الجَوزِيِّ فِي جَزمِهِ بِوَضعِهِ».
❁ وَقَالَ الشَّيخُ مَنصُورٌ العُجَيلِيُّ الأَزهَرِيُّ الشَّافِعِيُّ، المَعرُوفُ بِالجَمَلِ، فِي «حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرحِ المَنهَجِ»: «وَيُستَحَبُّ فِيهِ التَّوسِعَةُ عَلَى العِيَالِ وَالأَقَارِبِ، وَالتَّصَدُّقُ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ مِن غَيرِ تَكَلُّفٍ، فَإِن لَم يَجِد شَيئًا فَليُوَسِّع خُلُقَهُ وَيَكُفَّ عَن ظُلمِهِ».
❁ وَقَالَ البُهُوتِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي «كَشَّافِ القِنَاعِ عَن مَتنِ الإِقنَاعِ»: «وَيَنبَغِي فِيهِ التَّوَسُّعَةُ عَلَى العِيَالِ، سَأَلَ ابنُ مَنصُورٍ أَحمَدَ عَنهُ، فَقَالَ: نَعَم، رَوَاهُ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ عَن جَعفَرٍ، عَن إِبرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ المُنتَشِرِ، وَكَانَ أَفضَلَ أَهلِ زَمَانِهِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: مَن وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَومَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ سَائِرَ سَنَتِهِ».
❁ وَقَد جَرَّبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ أَثَرَ التَّوسِعَةِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ بَعضُهُم: «جَرَّبنَاهُ مُنذُ عِشرِينَ سَنَةً، فَمَا رَأَينَا إِلَّا خَيرًا». وَقَالَ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ: «قَد جَرَّبنَاهُ مُنذُ خَمسِينَ سَنَةً أَو سِتِّينَ، فَمَا رَأَينَا إِلَّا خَيرًا». قَالَ جَابِرٌ: «جَرَّبتُهُ أَربَعِينَ عَامًا فَلَم يَتَخَلَّف».
❁ وَالمُرَادُ بِالتَّوسِعَةِ أَن يُدخِلَ المُسلِمُ السُّرُورَ عَلَى نَفسِهِ وَأَهلِهِ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِن طَعَامٍ، أَو نَفَقَةٍ، أَو هَدِيَّةٍ، أَو حُسنِ مُعَامَلَةٍ، مِن غَيرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَبذِيرٍ وَلَا مُبَاهَاةٍ. فَيُوَسِّعُ يَومَهُ وَلَيلَتَهُ بِمَا يَسَّرَ اللهُ لَهُ، فَإِن لَم يَجِد شَيئًا فَليُوَسِّع خُلُقَهُ، وَليَكُفَّ أَذَاهُ وَظُلمَهُ، رَاجِيًا مِن رَبِّهِ الفَضلَ وَالبَرَكَةَ وَسَعَةَ الرِّزقِ.
❖ *مِنَ الذِّكرِ وَالدُّعَاءِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ*
❁ وَمِمَّا يُستَحَبُّ فِي هَذَا اليَومِ الإِكثَارُ مِنَ الذِّكرِ وَالدُّعَاءِ وَالاستِغفَارِ، فَإِنَّهُ يَومُ شُكرٍ وَتَوبَةٍ وَرُجُوعٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى. وَمِمَّا نُقِلَ فِي هَذَا البَابِ عَنِ الفَقِيهِ المَالِكِيِّ عَلِيِّ نُورِ الدِّينِ الأُجهُورِيِّ المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٠٦٦هـ أَنَّهُ قَالَ: مَن قَالَ يَومَ عَاشُورَاءَ سَبعِينَ مَرَّةً: «حَسبِيَ اللهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ، وَنِعمَ المَولَى وَنِعمَ النَّصِيرُ»، كَفَاهُ اللهُ تَعَالَى شَرَّ ذَلِكَ العَامِ.
❁ وَهَذَا الذِّكرُ أَصلُهُ ثَابِتٌ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فَاخشَوهُم فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبُنَا اللهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ﴾. فَهُوَ مِنَ الأَذكَارِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يُلجَأُ بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى عِندَ الشَّدَائِدِ وَالمَخَاوِفِ، وَفِيهِ تَفوِيضُ الأَمرِ إِلَى اللهِ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَيهِ، وَحُسنُ الظَّنِّ بِهِ.
❁ وَالعَمَلُ بِهَذَا الذِّكرِ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ، وَإِن لَم يَثبُت فِيهِ حَدِيثٌ مَرفُوعٌ صَحِيحٌ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أَوِ العَدَدِ، فَهُوَ مِن بَابِ الرَّجَاءِ وَالدُّعَاءِ، وَلَا يُعَدُّ مِنَ البِدَعِ المُخَالِفَةِ مَا دَامَ مُندَرِجًا تَحتَ الأَدعِيَةِ المَشرُوعَةِ فِي الجُملَةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مَنقُولًا عَن أَهلِ العِلمِ وَالتُّقَى، وَاستُعمِلَ عَلَى وَجهٍ لَا يَخرُجُ عَن حُدُودِ السُّنَّةِ العَامَّةِ.
❁ فَليَغتَنِمِ المُؤمِنُ يَومَ عَاشُورَاءَ بِالصِّيَامِ، وَالذِّكرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوسِعَةِ عَلَى الأَهلِ، وَإِدخَالِ السُّرُورِ عَلَيهِم، وَحِفظِ اللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ، رَاجِيًا مِنَ اللهِ تَعَالَى المَغفِرَةَ وَالرَّحمَةَ وَالتَّوسِعَةَ وَالبَرَكَةَ.
❖ *عَاشُورَاءُ يَومُ الشُّكرِ وَمُخَالَفَةِ غَيرِ المُسلِمِينَ*
❁ وَاعلَمُوا، عِبَادَ اللهِ، أَنَّ الصَّبرَ مِفتَاحُ الفَرَجِ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَعَ الصَّابِرِينَ بِنَصرِهِ وَتَمكِينِهِ، وَأَنَّ جَزَاءَ الثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ هُوَ النَّصرُ وَالتَّوفِيقُ؛ فَحِينَ بَلَغَ فِرعَونُ الغَايَةَ فِي الطُّغيَانِ، وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ قَائِلًا: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعلَى﴾، قَابَلَهُ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَن مَعَهُ بِالصَّبرِ، وَالثَّبَاتِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمعَانِ قَالَ أَصحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهدِينِ فَأَوحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضرِب بِعَصَاكَ البَحرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرقٍ كَالطَّودِ العَظِيمِ وَأَزلَفنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنجَينَا مُوسَى وَمَن مَعَهُ أَجمَعِينَ (61-65)﴾، فَهَذِهِ هِيَ النَّتِيجَةُ العَظِيمَةُ: أَنَّهُ بَعدَ الصَّبرِ وَالتَّقوَى يَأتِي النَّصرُ، وَبَعدَ الثَّبَاتِ وَالتَّوَكُّلِ تَكُونُ النَّجَاةُ بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى.
❁ عِبَادَ اللهِ، لَقَدِ اقتَضَى هَذَا النَّصرُ العَظِيمُ شُكرَ اللهِ تَعَالَى، وَإِظهَارَ الِافتِقَارِ إِلَيهِ، وَالمُدَاوَمَةَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَيهِ بِمَا يُحِبُّ وَيَرضَى؛ فَإِنَّ المُؤمِنَ يَتَقَلَّبُ بَينَ مَقَامَيِ الصَّبرِ وَالشُّكرِ، إِن أَصَابَهُ بَلَاءٌ صَبَرَ، وَإِن أَصَابَتهُ نَعمَاءُ شَكَرَ، وَفِي كِلَا الحَالَينِ هُوَ عَلَى خَيرٍ وَفَضلٍ مِنَ اللهِ؛ وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمرِ المُؤمِنِ، إِنَّ أَمرَهُ كُلَّهُ خَيرٌ، وَلَيسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلمُؤمِنِ، إِن أَصَابَتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِن أَصَابَتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ» رَوَاهُ مُسلِمٌ.
❁ وَلِهَذَا شَرَعَ اللهُ تَعَالَى صِيَامَ يَومِ عَاشُورَاءَ سُنَّةً وَشُكرًا عَلَى نَجَاةِ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَمَن مَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَجَدَ اليَهُودَ يُوَاظِبُونَ عَلَى صِيَامِهِ، فَسَأَلَ عَن سَبَبِ ذَلِكَ، فَأُخبِرَ بِأَنَّهُ اليَومُ الَّذِي نَجَّى اللهُ تَعَالَى فِيهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَأَغرَقَ فِرعَونَ، فَقَالَ ﷺ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنكُم»، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ المُؤمِنَ يَشكُرُ اللهَ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ بِالطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ، وَأَنَّهُ يُشرَعُ لَهُ أَن يَتَذَكَّرَ فِي الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ مَا مَنَّ اللهُ بِهِ مِن إِسدَاءِ نِعمَةٍ، أَو دَفعِ نِقمَةٍ، فَيَزدَادَ شُكرًا، وَإِنَابَةً، وَقُربًا مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
❁ وَمِن دُرُوسِ عَاشُورَاءَ كَذَلِكَ مَشرُوعِيَّةُ مُخَالَفَةِ غَيرِ المُسلِمِينَ فِيمَا اختَصُّوا بِهِ، وَالحَذَرُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِهِم فِي شَعَائِرِهِم وَعَادَاتِهِمُ الدِّينِيَّةِ؛ فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ دِينُ تَمَيُّزٍ وَاستِقَامَةٍ، لَا دِينَ ذَوَبَانٍ وَتَبَعِيَّةٍ. وَلِذَلِكَ عَزَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَن يَضُمَّ إِلَى صِيَامِ العَاشِرِ صِيَامَ التَّاسِعِ مُخَالَفَةً لِليَهُودِ، فَقَالَ ﷺ: «لَئِن بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» رَوَاهُ مُسلِمٌ. فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ لَيسَ مُوَافَقَةً لِليَهُودِ، وَلَا اقتِدَاءً بِهِم، وَإِنَّمَا هُوَ شُكرٌ لِلهِ تَعَالَى، وَاتِّبَاعٌ لِهَديِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِظهَارٌ لِأَنَّ أَهلَ الإِيمَانِ أَحَقُّ بِالأَنبِيَاءِ مِن غَيرِهِم، كَمَا قَالَ ﷺ: «نَحنُ أَولَى بِمُوسَى مِنكُم».
❁ وَقَد كَانَ مِن هَديِ النَّبِيِّ ﷺ حِرصُهُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَهلِ الكُفرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخَصَائِصِهِم الدِّينِيَّةِ، فَرُوِيَ عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَومَ السَّبتِ وَيَومَ الأَحَدِ أَكثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَومَا عِيدٍ لِلمُشرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَن أُخَالِفَهُم»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَتَهُم فِي خَصَائِصِهِم مَقصِدٌ شَرعِيٌّ، وَأَنَّ المُسلِمَ يَعتَزُّ بِدِينِهِ، وَيَستَمسِكُ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَيَجعَلُ شُكرَهُ لِرَبِّهِ عِبَادَةً خَالِصَةً، وَطَاعَةً صَادِقَةً، وَاتِّبَاعًا مُبِينًا لِهَديِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ ﷺ.
❖ *عَاشُورَاءُ وَمَوَاسِمُ العِبَرِ مَعَ الأَنبِيَاءِ*
❁ إِنَّ العَاشِرَ مِنَ المُحَرَّمِ يَومٌ مَلِيءٌ بِالخَيرَاتِ وَالفَضَائِلِ، وَالحَوَادِثِ وَالعِبَرِ، وَالصَّبرِ وَالدُّرُوسِ، وَقَد اشتَهَرَ ذِكرُهُ عِندَ الأَوَائِلِ وَالأَوَاخِرِ، وَاستَحَبَّ العُلَمَاءُ صِيَامَهُ، وَشُكرَ اللهِ فِيهِ، وَتَجدِيدَ التَّوبَةِ إِلَيهِ.
❁ فَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ ذُكِرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى تَابَ عَلَى سَيِّدِنَا ءَادَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وَفِي ذَلِكَ تَذكِيرٌ لِلعَبدِ بِأَن يُجَدِّدَ تَوبَتَهُ النَّصُوحَ فِي هَذَا اليَومِ، رَاجِيًا قَبُولَ اللهِ تَعَالَى، مُقلِعًا عَن ذُنُوبِهِ، نَادِمًا عَلَى تَقصِيرِهِ، عَازِمًا عَلَى الاستِقَامَةِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ. وَقَد ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مُصَنَّفِ عَبدِ الرَّزَّاقِ.
❁ وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ ذُكِرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَجَّى سَيِّدَنَا نُوحًا عَلَيهِ السَّلَامُ، وَأَنزَلَهُ مِنَ السَّفِينَةِ مَنصُورًا بِالمُعجِزَةِ العَظِيمَةِ، بَعدَ أَن دَعَا قَومَهُ إِلَى الإِيمَانِ، فَأَبَوا وَأَعرَضُوا، وَأَصَرُّوا عَلَى الكُفرِ وَالعِنَادِ، فَأَغرَقَ اللهُ الطُّغَاةَ، وَنَجَّى نُوحًا وَمَن مَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ. وَقَد رُوِيَ أَنَّ نُوحًا عَلَيهِ السَّلَامُ صَامَ هَذَا اليَومَ شُكرًا للهِ تَعَالَى، وَذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ.
❁ وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ ذُكِرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنقَذَ سَيِّدَنَا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ النُّمرُودِ، الَّذِي كَانَ طَاغِيَةً جَبَّارًا عَنِيدًا، أَرَادَ أَن يُحرِقَ نَبِيَّ اللهِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَسَلَّمَهُ اللهُ وَنَجَّاهُ، وَجَعَلَ النَّارَ بَردًا وَسَلَامًا عَلَيهِ، فَلَم تُحرِقهُ، وَلَم تُصِبهُ بِأَذًى، وَلَم تَمَسَّ ثِيَابَهُ، وَإِنَّمَا أَحرَقَتِ الوِثَاقَ الَّذِي رَبَطُوهُ بِهِ. وَقَد ذَكَرَ ذَلِكَ ابنُ الجَوزِيِّ فِي «بُستَانِ الوَاعِظِينَ».
❁ وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ ذُكِرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَدَّ سَيِّدَنَا يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى أَبِيهِ سَيِّدِنَا يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ بَعدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ، وَمِحَنٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَمَشَاقَّ عَظِيمَةٍ، وَفِي قِصَّتِهِمَا دُرُوسٌ فِي الصَّبرِ وَالعَفوِ وَحُسنِ الظَّنِّ بِاللهِ تَعَالَى. فَقَد عَفَا يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَمَّن ءَاذَاهُ مَعَ قُدرَتِهِ عَلَيهِم، وَلَمَّا رَأَى نِعمَةَ اللهِ تَعَالَى قَد تَمَّت عَلَيهِ، وَاجتَمَعَ شَملُهُ بِأَبِيهِ وَأَهلِهِ، أَثنَى عَلَى رَبِّهِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، وَاعتَرَفَ لَهُ بِعَظِيمِ فَضلِهِ وَإِحسَانِهِ. وَقَد ذَكَرَ ذَلِكَ الخَفَاجِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى تَفسِيرِ البَيضَاوِيِّ.
❁ وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ نَصَرَ اللهُ تَعَالَى سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى فِرعَونَ الطَّاغِيَةِ الظَّالِمِ، الَّذِي ادَّعَى الأُلُوهِيَّةَ، وَطَغَى وَبَغَى، فَفَلَقَ اللهُ لِمُوسَى وَبَنِي إِسرَائِيلَ البَحرَ مُعجِزَةً بَاهِرَةً، وَأَهلَكَ فِرعَونَ وَجُنُودَهُ، وَجَعَلَهُم عِبرَةً لِمَن يَعتَبِرُ. وَهَذَا هُوَ المَعنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ مَا رَوَاهُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ صِيَامِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لِعَاشُورَاءَ شُكرًا للهِ تَعَالَى.
❁ وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ ذُكِرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعطَى المُلكَ لِسَيِّدِنَا سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَأَعطَاهُ مُلكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِن بَعدِهِ، وَمَعَ هَذَا المُلكِ العَظِيمِ كَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَابِدًا شَاكِرًا، زَاهِدًا مُتَوَاضِعًا، يَأكُلُ خُبزَ الشَّعِيرِ، وَيَحمَدُ اللهَ عَلَى مَا ءَاتَاهُ. وَمِمَّا ذُكِرَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَتَسبِيحَةٌ وَاحِدَةٌ يَقبَلُهَا اللهُ مِنكَ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا». وَقَد ذُكِرَ ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الجَمَلِ عَلَى شَرحِ المَنهَجِ.
❁ وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ ذُكِرَ أَنَّ سَيِّدَنَا يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ أُخرِجَ مِن بَطنِ الحُوتِ بِمُعجِزَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، بَعدَ أَن التَقَمَهُ الحُوتُ، وَمَكَثَ فِي بَطنِهِ مُدَّةً، فَكَانَ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ، وَظُلمَةِ البَحرِ، وَظُلمَةِ بَطنِ الحُوتِ، يُنَادِي رَبَّهُ مُسَبِّحًا مُنِيبًا، قَائِلًا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وَفِي قِصَّتِهِ دَعوَةٌ إِلَى الإِكثَارِ مِنَ الذِّكرِ وَالتَّسبِيحِ، وَتَجدِيدِ التَّوبَةِ النَّصُوحِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى اللهِ تَعَالَى عِندَ الشِّدَائِدِ وَالكُرُوبِ. وَقَد ذُكِرَ ذَلِكَ فِي حَاشِيَةِ الجَمَلِ عَلَى شَرحِ المَنهَجِ.
❁ وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ ذُكِرَ أَنَّهُ كُشِفَ الضُّرُّ عَن سَيِّدِنَا أَيُّوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَعَافَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ البَلَاءِ بَعدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الصَّبرِ وَالاحتِسَابِ. فَقَدِ ابتُلِيَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَصَبَرَ صَبرًا عَظِيمًا، وَرَجَا الثَّوَابَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَدَعَا رَبَّهُ بِخُشُوعٍ وَتَضَرُّعٍ قَائِلًا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. فَكَانَت قِصَّتُهُ مِثَالًا فِي الصَّبرِ، وَالثَّبَاتِ، وَحُسنِ اللُّجُوءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى. وَقَد ذَكَرَ ذَلِكَ السَّمَرقَندِيُّ فِي «تَنبِيهِ الغَافِلِينَ».
❖ *عَاشُورَاءُ فِي تَارِيخِ الأُمَّةِ*
❁ فِي يَومِ عَاشُورَاءَ ذُكِرَ أَنَّهَا حَصَلَت غَزوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلهِجرَةِ، حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ وَمَعَهُ أَصحَابُهُ يُرِيدُ قَبَائِلَ مِن نَجدٍ، كَانُوا قَد غَدَرُوا بِأَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَتَلُوا سَبعِينَ مِنَ الدُّعَاةِ. وَسُمِّيَت بِذَاتِ الرِّقَاعِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم لَفُّوا عَلَى أَرجُلِهِمُ الخِرَقَ، بِسَبَبِ مَا أَصَابَ أَقدَامَهُم فِي تِلكَ الغَزوَةِ مِن جِرَاحٍ. وَقَد ذَكَرَ ذَلِكَ القُرطُبِيُّ فِي «التَّذكِرَةِ».
❁ وَفِي يَومِ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ يَومَ الجُمُعَةِ فِي سَنَةِ إِحدَى وَسِتِّينَ لِلهِجرَةِ، وَقَعَتِ الفَاجِعَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي أَلَمَّت بِالمُسلِمِينَ، وَالمُصِيبَةُ الَّتِي حَلَّت عَلَى الأُمَّةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَهِيَ مَقتَلُ سِبطِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، حَفِيدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَابنِ بِنتِهِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، عَلَى أَيدِي فِئَةٍ ظَالِمَةٍ.
❁ فَمَاتَ الحُسَينُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَهِيدًا، وَكَانَ ابنَ سِتٍّ وَخَمسِينَ سَنَةً، وَكَانَت شَهَادَتُهُ حَدَثًا مُؤلِمًا فِي تَارِيخِ الأُمَّةِ، يَستَدعِي التَّرَحُّمَ عَلَيهِ، وَمَعرِفَةَ قَدرِ ءَالِ بَيتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالحَذَرَ مِنَ الظُّلمِ وَالبَغيِ وَالفِتَنِ. وَقَد ذَكَرَ ذَلِكَ ابنُ عَسَاكِرَ فِي «تَارِيخِ دِمَشقَ».
❖ *مَوعِظَةٌ فِي اغتِنَامِ يَومِ عَاشُورَاءَ*
❁ يَومُ عَاشُورَاءَ يَومٌ يَجمَعُ مَعَانِيَ الشُّكرِ وَالصَّبرِ، وَالتَّوبَةِ وَالعِبرَةِ، وَالنَّصرِ وَالنَّجَاةِ، وَتَذَكُّرِ مَصَارِعِ الظَّالِمِينَ وَعَاقِبَةِ المُتَّقِينَ. فَحَرِيٌّ بِالمُؤمِنِ أَن يَغتَنِمَهُ بِالصِّيَامِ، وَالإِكثَارِ مِنَ الذِّكرِ، وَالشُّكرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالاستِغفَارِ، وَتَجدِيدِ العَهدِ مَعَ اللهِ تَعَالَى عَلَى التَّوبَةِ وَالاستِقَامَةِ.
❁ فَيَا مَن مَرَّت عَلَيهِ الأَيَّامُ وَهُوَ فِي غَفلَةٍ، أَمَا آنَ لِقَلبِكَ أَن يَلِينَ؟ وَيَا مَن كَثُرَت ذُنُوبُهُ، أَمَا آنَ لَهُ أَن يَتُوبَ إِلَى رَبِّهِ تَوبَةً صَادِقَةً؟ وَيَا مَن يَرجُو رَحمَةَ اللهِ، هَذَا مَوسِمٌ مِن مَوَاسِمِ الفَضلِ، فَتَعَرَّض لِنَفَحَاتِهِ، وَأَكثِر فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ وَالذِّكرِ وَالاستِغفَارِ، وَاحفَظ سَمعَكَ وَبَصَرَكَ وَلِسَانَكَ عَن مَحَارِمِ اللهِ.
❁ وَتَذَكَّر أَنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ، وَأَنَّ اللهَ يَنصُرُ أَولِيَاءَهُ، وَيُهلِكُ أَعدَاءَهُ، وَأَنَّ الشُّكرَ سَبِيلُ دَوَامِ النِّعَمِ، وَأَنَّ الصَّبرَ مِفتَاحُ الفَرَجِ، وَأَنَّ التَّوبَةَ بَابٌ مَفتُوحٌ لِمَن صَدَقَ فِي رُجُوعِهِ إِلَى رَبِّهِ.
❖ *خَاتِمَةٌ*
❁ فَيَومُ عَاشُورَاءَ يَومٌ عَظِيمٌ مِن أَيَّامِ اللهِ، فِيهِ نَجَّى اللهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَقَومَهُ، وَأَهلَكَ فِرعَونَ وَجُنُودَهُ، وَفِيهِ تَتَجَدَّدُ مَعَانِي الشُّكرِ وَالاعتِبَارِ، وَتَظهَرُ فَضِيلَةُ الاتِّبَاعِ وَمُخَالَفَةِ أَهلِ الكُفرِ فِيمَا اختَصُّوا بِهِ، وَفِيهِ يَرجُو المُؤمِنُ أَن يَمحُوَ اللهُ عَنهُ ذُنُوبَ سَنَةٍ مَاضِيَةٍ بِصِيَامِهِ.
❁ عِبَادَ اللهِ، إِنَّ يَومَ عَاشُورَاءَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ هَذِهِ الدُّنيَا دَارُ ابتِلَاءٍ، وَأَنَّ التَّسلِيمَ لِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى لَيسَ ذُلًّا، بَل هُوَ عِزٌّ وَقُوَّةٌ وَمِفتَاحُ فَرَجٍ، وَأَنَّ الشُّكرَ عَلَى النِّعَمِ طَرِيقٌ إِلَى مَزِيدٍ مِنهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَئِن شَكَرتُم لَأَزِيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، فَبَادِرُوا، عِبَادَ اللهِ، إِلَى صِيَامِ هَذَا اليَومِ الكَرِيمِ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ الصَّبرَ وَالشُّكرَ مِن أَخلَاقِ المُؤمِنِ الصَّادِقِ الَّذِي يَسِيرُ عَلَى نَهجِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
❁ فَطُوبَى لِمَن اغتَنَمَهُ صِيَامًا وَشُكرًا وَتَوبَةً، وَوَيلٌ لِمَن مَرَّ عَلَيهِ هَذَا المَوسِمُ وَهُوَ مُعرِضٌ غَافِلٌ. نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يُوَفِّقَنَا لِاغتِنَامِ أَيَّامِ الخَيرِ، وَأَن يَجعَلَنَا مِنَ الصَّائِمِينَ الشَّاكِرِينَ، وَالتَّائِبِينَ المُستَغفِرِينَ، وَأَن يَرزُقَنَا صِدقَ التَّوبَةِ، وَحُسنَ الاتِّبَاعِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى طَاعَتِهِ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
مَوَاقِعُ التَّوَاصُلِ الخَاصَّةُ بِي (د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ)
• قَنَاةُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَد لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَت بِأُسلُوبٍ عِلمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنهَجٍ مُحكَمٍ، يَهدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشرِ العِلمِ النَّافِعِ.
https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a
• مُجتَمَعُ الوَاتسِ أَب
فِي هٰذَا المُجتَمَعِ تَجِدُونَ كُلَّ مَا يُنشَرُ مِن مَلَفَّاتٍ أَو مَقَالَاتٍ جَدِيدَةٍ، لِمَن أَحَبَّ أَن يَنضَمَّ إِلَينَا وَيَكُونَ عَلَى اطِّلَاعٍ دَائِمٍ
https://chat.whatsapp.com/DEiF0pmyGry1DWzmXo5IWW
• لِلتَّوَاصُلِ المُبَاشِرِ عَلَى الوَاتسِ أَب
مَن أَحَبَّ أَن يَتَوَاصَلَ مَعِي شَخصِيًّا، فَهٰذَا هُوَ رَقمِي: 00962795068534
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.
• صَفحَتِي الرَّسمِيَّةُ عَلَى فَيس بُوك
https://www.facebook.com/share/17VS6U8fHY/
.
|
|